مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
22
شرح فصوص الحكم
بدون الروح الإلهي بمنزلة المرآة الغير الصقيلة وبالروح الإلهي بمنزلة الصقيلة فكما أن المرآة بسبب جلائه تقبل صورة من يحاذيها وتعطيها لصاحبها كذلك العالم بسبب قبول الروح الإلهي يقبل التجلي الدائم الذي هو ظهور عينه إليه في ذلك المحل المكمل ( وما بقي ) شيء من المذكور لم يعلم حاله ( إلا قابل ) فإنه لما ذكر ولم يبين أنه أثر للحق أم لإلزام بيانه حتى ينكشف حقيقة الحال فقال ( والقابل ) أي المادة القابلة للتسوية واستعدادها للروح الإلهي وقبولها لها وغير ذلك من لوازمها الذاتية . كل ذلك ( لا يكون ) أي لا يحصل ( إلا من فيضه ) أي من تجليه ( الأقدس ) من الكثرة الأسمائية فهذه كلها غير مجعولة إذ كل ما حصل من التجلي الأقدس غير مجعول كالماهيات واستعداداتها الحاصلة منه . وأما استعدادها لقبول التجلي الدائم الذي من الفيض المقدس فهو مجعول إذ لا يحصل هذا الاستعداد إلا من قبول الروح الإلهي وهو أي نفخ الروح من الفيض المقدس والمراد بالفيض كون الجود الإلهي سببا لحدوث أنوار الوجود في كل ماهية قابلة للوجود بلا انفصال من اللّه تعالى واتصال إلى الماهية القابلة كفيضان الصورة على المرآة فإن صورة الإنسان مثلا سبب لحدوث صورة تماثلها في المرآة المقابلة بمحاذاة الصورة فليس فيهما انفصال واتصال ، وكذلك نور الشمس سبب لحدوث شيء يناسبه في النورية على الحائط لا بمعنى أنه ينفصل شعاع من جرم الشمس ويتصل بالحائط ويبسط عليه وهو خطأ . وأما فيضان الماء من الإناء على اليد فإنه انفصال جزء من الماء عن الإناء واتصاله على اليد هذا ما ذكره الإمام محمد الغزالي قدس سره ( فالأمر ) أي كل الموجود سوى اللّه تعالى من الموجودات العلمية والعينية ( كله ) تأكيد للاستغراق ( منه ) أي حصل من اللّه تعالى على الوجه المذكور ( ابتداؤه وانتهاؤه وإليه يرجع الأمر كله ) باستهلاكه بتجلي الحق كل آن أو بتجليه عند القيمة الكبرى فبقي مجردا عن اللواحق العارضة ويتصل إليه تعالى ( كما ابتدأ منه ) يعني على الهيئة التي تكون الابتداء عليها يعني أن ذوات الأشياء وأحوالها من الابتداء والانتهاء والرجوع إليه تعالى . كل ذلك من اللّه تعالى ، ويلزم على أرباب العقول أن يقال : إذا كان جميع ذوات الأشياء وجميع أحواله من الأوصاف والأفعال والأقوال من اللّه تعالى يلزم الجبر المحض وهو خلاف ما ذهب إليه أهل السنّة . فنقول : إنما يلزم ذلك أن لو كان القوابل من الفيض المقدس وليس كذلك وقد صرح بقوله : والقابل لا يكون إلا بالفيض الأقدس وإنما لم يقل وما بينهما تحقيقا لما ذهب إليه من أن العالم كله عرض لا يبقى زمانين إذ لا بين حينئذ وهو ابتداء وانتهاء بالجهتين ومقصوده رضي اللّه عنه من هذا الكلام بيان كمال إحاطة الحق للأشياء ليزول ما ذهب إليه من العقول الضعيفة من أن الكون إذا كان سببا لرؤية الحق عينه كان محتاجا إليه للحق تعالى في حصول ذلك الكمال له تعالى عن الاحتياج إلى ما سواه وليزول الشبهة العارضة لها من